رؤية في سيرة إمام الانسانية
مقالات
أضيف بواسـطة news24
الكاتب علي مارد الاسدي
النـص :

ورث الامام علي عليه السلام بعد ربع قرن من وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله، جيلاً دمويًا، متوحشًا، إنتعشت فيه روح الجاهلية، وخُربت أخلاقة بغزوات بربرية، ظاهرها نشر دين الإسلام، وباطنها السلب والنهب والقتل والاجرام. لكن ما يلفت نظر الباحث في سيرة هذا الامام، الذي اجتمعت فيه الفضائل الإنسانية كلها كما لم تجتمع في غيره، هو ملاحظة ان مد الغزوات الاسلامية للقبائل والشعوب المجاورة قد انحسر ، وتعرض للتوقف تمامًا في عهده ، وهو قرار وموقف لم يأت من فراغ، بل ارتبط بموقفه الرافض من الأساس لشرعية الحكام فضلاً عن مشروعية غزواتهم وحروبهم التي شوهت سيرة الإسلام وقدمته كحركة دموية بغطاء ديني، لهذا اعتزل الإمام علي السياسة والحروب طيلة فترة حكم من استحوذوا على الخلافة قبله ، اذ لم يشارك في حروبهم، ولم يؤيد غزواتهم ولو بشطر بكلمة ، وبالطبع لا قيمة ابدًا لبعض الروايات الاموية المنشأ، الساقطة اعتباريًا ومنطقيًا ، التي جعلت منه وزيرًا أو مستشارًا حربيًا للسلاطين الذين ظلموه وأهل بيته، لكونها لا تتفق على الاطلاق مع ما انتهينا اليه من تحليلات لشخصيته الفريدة وسيرته المعطاء وخطه العقائدي ومنهجه الانساني المعروف. لكننا بالمقابل عندما نستنطق تأريخه، ما ان تولى الخلافة بعد أول ثورة شعبية اطاحت بحاكم فاسد في الاسلام، نجده قد انصرف بكل حزم وعزم، لتأديب الولاة الجائرين ، والاعراب الذين اظهروا الايمان واستبطنوا الكفر والنفاق والفساد ، رغم حاجته السياسية آنذاك للتغاضي عنهم، والتوافق معهم، ومهادنتهم بشتى الوسائل، ولو إلى حين، على حساب المباديء والمثل العليا التي آمن بها، وتبرير كل ذلك بعناوين تشبه ما نتداوله اليوم حول اللحمة الوطنية المشتركة، والوحدة الإسلامية تجاه الكفار ، فحاربهم في ثلاثة معارك كبرى قبل استشهاده، فكانت واقعة الجمل ضد عائشة وطلحة والزبير، ومعركة النهروان ضد الخوارج، وجلهم كانوا من الصحابة وحفظة القرآن، وآخرها معركة صفين ضد معاوية ومن اصطف معه كعمرو بن العاص وابو هريره وعبيد الله بن عمر وغيرهم... ولاجل كل ذلك كرهه الإعراب، واستبطنوا بغضه، وتوارثوا الحقد على اتباعه.. ومن اجل ذلك ايضًا نال حب وتقدير واحترام اتباع الاديان الاخرى، حيث لمسوا فيه رمزًا انسانيًا عابرًا للاديان والقوميات... ونحن اذ نتأمل اليوم مليًا في وصيته الخالدة لجيشه ، نجد فيها تعاليم غاية في الرقي والتحضر والإنسانية، مُثل لم تبلغ شأوها إلى الآن أرقى الديمقراطيات في العالم! من يصدق ان هذه الكلمات قد رددها قائد عسكري قبل 1400 عام على مسامع جنود كان القتل والسلب والنهب ثقافة متأصلة في مجتمعهم وتقاليدهم ، بينما نجد ان البشرية الى اليوم ما زالت عاجزة عن بلوغ مستوى المعاني النبيلة، والقيم الفاضلة، التي جسدها الإمام العظيم علي بن أبي طالب مع الخصوم والاعداء : " لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم ، فإنكم بحمد الله على حجة ، وكفاكم عنهم حتى يبدأوكم حجة أخرى ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ، ولا تدخلوا دارا ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ..".

المشـاهدات 130   تاريخ الإضافـة 13/05/2020   رقم المحتوى 53510
أضف تقييـم
تابعنا على
تطبيقاتنا