العراق ونفق الخيارات المُظلمة .. الجيش والشعب والموقع الإقليمي
مقالات
أضيف بواسـطة news24
الكاتب الدكتور/ حسن مرهج
النـص :

تجاذبات سياسية وعسكرية كثيرة باتت تتحكم في خيارات الشرق الأوسط، خاصة أن تداعيات السياسيات الأمريكية في المنطقة، تُلقي بظلال تأثيراتها على مُجمل دول المنطقة، تبعاً للأهمية الاستراتيجية وللموقع الإقليمي المؤثر، نتيجة لذلك تبدو تطورات العراق سلسلة مما تم هندسته أمريكياً في المنطقة، والواضح بأن مقاربة الشأن العراقي تحتاج إلى التعمق بمسار التطورات، خاصة في جوار العراق، ولعل ما قاله ثعلب السياسية الأميركية وزير الخارجية السابق هنري كسينجر: “إن خلاصة سياستنا الحالية في العراق، أن يبقى لسنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ تحت سيطرتنا الكاملة مباشرة وغير مباشرة سياسياً وعسكرياً، العامل المهم الذي نجحنا بتأسيسه ونعمل على ابقائه، إننا جعلنا الدولة العراقية مُنقسمة طائفياً وقومياً، بحيث لا يمكنها أن تكون دولة مركزية قوية، وهي عُرضة سهلة لتفجيرها والتحكّم بها”. وعليه يُمكننا من خلال تصريح كسينجر، فهم جُلّ التطورات العراقية، كما أن تصريح كسينجر يُعد ترجمة واضحة لماهية السياسة الأمريكية في العراق. حالة التوزان المطلوبة سياسياً في العراق، باتت ضرورية للوصول إلى الأهداف المرجوة بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات، لأنه يكفل التصحيح ويمنع التعطيل. وخلاف ذلك، فإن عدم الانسجام مع المطالب المشروعة سيؤدي إلى نتائج سلبية، ناهيك عن كونه يزيد من حدة الاحتقان، ويوسع فرص الصدام والتأزيم، وبالتالي يدفع بالأمور الى الهاوية، ولا شك ان هذا ما لا يريده ولا يسعى اليه الاعم الاغلب من الجماهير التي خرجت لساحات التظاهر، وكذلك تلك التي ايدت ودعمت وساندت بطرق ووسائل واساليب متنوعة، في الوقت الذي راحت القناعة بوجود ايادٍ خارجية مخربة، تترسخ يوما بعد آخر، ارتباطا بتكشف الكثير من الارقام والحقائق. بصرف النظر عن الاحتجاجات العراقية، وما تحتويه من مطالب مُحقة ومشروعة، لكن المراقب للتطورات العراقية، يُدرك بأن سياسة العراق الإقليمية يجب أن تبتعد عن تأثيرات دول الجوار وبالتالي فإن الحراك الشعبي بجانبه المطلبي لا يعكس الحراك السياسي في العراق، ولا يُلبي مُجمل الطموحات والتطلعات، إذ لا يمكن للحكومة العراقية تلبية المطالب بالسرعة القصوى. وعلى وقع التظاهرات الشعبية، قام نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” بزيارة مفاجئة للعراق تفقد خلالها القوات الأمريكية وتباحث مع مسؤولي إقليم كردستان من دون الالتقاء بالمسؤولين العراقيين في بغداد. وعلى إثر هذه الزيارة المفاجئة، أجرى نائب الرئيس الأمريكي اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء العراقي “عادل عبد المهدي”، قبل الانتقال إلى مدينة أربيل مركز إقليم كردستان الشمالي، حيث التقى رئيس الإقليم “نيجيرفان بارزاني”.ما يُفهم من هذه الزيارة المفاجئة التي قام بها مايك بنس، أنها ليست للتشاور مع المسؤولين العراقيين، ولتحسين العلاقات بينهما، وإنما لإيصال رسالة للمتظاهرين والمحتجين العراقيين بأن أمريكا تقف إلى جانبهم. واللافت أيضاً، أن وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” قد قال في وقت سابق إن “إدارة بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه الفساد الذي يجلب المعاناة للعراقيين”. كما تحدث بومبيو بشكل صريح عن ضرورة عقد انتخابات مبكرة وحل البرلمان، ولكن هذه التصريحات أثارت غضب المسؤولين العراقيين وبعض الزعماء السياسيين ورئيس الوزراء العراقي والرئيس العراقي، ووصفوها بأنها تدّخل سافر في الشؤون الداخلية العراقية. وهنا يمكن القول بأن مواقف واشنطن تجاه العراق مفهومة تماماً، وذلك لأن الانتخابات البرلمانية التي عقدت في العراق في عام 2018 أدت إلى انتصار التيارات والجماعات المعارضة للسياسات الأمريكية داخل العراق، وهذا الفشل الكبير للبيت الأبيض في العراق، يمكن فهمه بشكل أفضل في قضية إعادة تفكير القادة الأمريكيين في خطة الانسحاب من العراق. خاصة أن الرئيس “دونالد ترامب” أعلن في شباط فبراير الماضي بأن الهدف من وجود القوات الأمريكية في العراق هو من أجل مراقبة إيران، وهذا الأمر أدى إلى ظهور موجة من ردود الفعل السلبية في البرلمان العراقي. وأعلن الرئيس العراقي “برهم أحمد صالح” أن الغرض من وجود القوات الأمريكية في العراق هو للتعليم وللاستشارات، وليس لمراقبة إيران، وطالب بوضع خطة لخفض عدد القوات الامريكية على الأراضي العراقية. نتيجة لذلك، فإن التجاذبات السياسية في العراق، قد أدت إلى شرخ سياسي عميق، فما بين أحزاب و تيارات تتماهى مع المطالب الأمريكية، هناك أحزاب تقف سداً في وجهة الخطط الامريكية في العراق، وما بين هذا وذاك، يبدو أن التطورات القادمة ستؤثر بشكل مباشر على المنظومتين السياسية والعسكرية في العراق، كما أن جانب الخدمات سيتضرر وبشكل كبير، وستغدو مسألة مكافحة الفساد طي النسيان ريثما يتضح المشهد العام في العراق، وما بين الجيش العراقي والشعب العراقي ومطالبه، والموقع الاقليمي المؤثر للعراق، يبدو أن العراق يُراد له أن يدخل في نفق الخيارات المُظلمة .

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 02/12/2019   رقم المحتوى 51864
أضف تقييـم
تابعنا على
تطبيقاتنا