الدين والدولة (*) ح7
مقالات
أضيف بواسـطة news24
الكاتب د. رضا العطار
النـص :

ظل مفهوم السلطة وعلاقتها بالدين في الفكر العربي والقومي المعاصر في النصف الاول من القرن العشرين مفهوما غامضا وملتبسا. كما ظلت العلاقة بين الدين والدولة في الفكر القومي علاقة رومانسية حالمة تتصف بكثير من العواطف الجياشة نحو الاسلام من قبل الدعاة القوميين ولا تستند الى اسس علمية وتاريخية واضحة – وقد انسحب هذا ليس على الفكر القومي فقط بل على الفكر الاسلامي كذلك – – وقد لاحظ بعض المفكرين العرب المعاصرين من ان ( اللجؤ الى التعميم والابتعاد عن مجابهة الواقع مجابهة مباشرة صفتان تطبعان الخطاب السياسي العربي المعاصر جملة وتفصيلا مما جعل هذا الخطاب ضحلا فقيرا.

فمعظم المفكرين السياسيين القوميين في هذه الفترة كانوا يميلون الى تبني طراز السلطة في الغرب وعلاقتها في الدين والدليل على ذلك ان البلاد العربية التي نالت استقلالها اثناء وبعد النصف الثاني من القرن العشرين تبنّت النظام الغربي للسلطة وان كان هذا التبني شكليا وظاهريا ولم يكن جوهريا وحقيقيا من حيث الممارسات الديمقراطية وقيام المعارضة وحرية الصحافة وضمان حرية وحقوق الانسان وغير ذلك من الاليات الديمقراطية.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت حركات سياسية قومية رئيسية هي
حزب البعث وحركة القوميين العرب ثم الناصرية – وهذه الحركات الثلاث كان لها مواقف موحدة تقريبا من علاقة الدين بالدولة – وقد دعا الى هذه الوحدة في النظرة لعلاقة الدين بالدولة الاسباب التالية :

1 – كان موقف هذه الفئات الثلاث من علاقة الدين بالدولة كرد فعل على دعوات التيار الاسلامي وعلى دعوات التيار الماركسي.
2 – ان موقف القوميين العرب طابق تماما موقف الناصرية من علاقة الدين بالدولة، لكون حركة القوميين العرب كانت في كافة نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية متطابقة ومتماهية مع الفكر الناصري الذي كانت حركة القوميين نفسها جزء منه.
3 – ان فكر هذه الفئات الثلاث كان فكرا علمانيا في معظم جوانبه وان لم يتم تطبيق كافة جوانب وآليات العلمانية على الواقع حين سيطرت الناصرية وحزب البعث على مقاليد الحكم.
4 – اتخذت هذه الفئات الثلاث موقفا (تقديسيا) من الدين ولم تتخذ من الدين موقفا تطبيقيا.
5 – ان هذه الفئات الثلاث قد تظاهرت بانها سلطة دينية اضافة الى سلطتها المدنية لكي تمسك بزمام النشاط الديني ولا تدعه مقصورا على رجال الدين او على الاحزاب الدينية السياسية كأخوان المسلمين – ولكي لا يستخدم الدين ضدها في يوم من الايام من قبل خصومها.
اما الموقف الموحد لهذه الفئات الثلاث من علاقة الدين بالدولة فقد تجلى في النقاط التالية :
1 – ان الدين لله والوطن للجميع .
2 – الدين مظهر روحاني مهم لاقامة مجتمع سوي.
3 – الدين اساس قوي من اسس اقامة الدولة القومية.
4 – لا دور لرجال الدين في السياسة، فلا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.
5 – اعتبار الناصريين والبعثيين ان الثورة الناصرية والثورة البعثية امتداد لثورة الاسلام
6 – ان العقوبات والحدود التي فرضها الدين قبل خمسة عشر قرنا كانت لمجتمع ولزمان ولمكان مختلف عما نحن فيه الان. لذا فلا عبد الناصر طبق الحدود الشرعية حين حكم، ولا حزب البعث طبقها ايضا. – وهذا اقصى ما تريد تحقيقه الاحزاب الدينية الاسلامية>

اما الناصرية فقد نفت من الاساس العلاقة العضوية بين الدين بالدولة رغم ان عبد الناصر ومجموعة كبيرة من الضباط الاحرار كانوا ينتمون الى جماعة اخوان المسلمين. ولكنهم كانوا ينتمون في نفس الوقت الى جناح ما سُمي ب ( الاصلاحية الاسلامية الرديكالية ) وقد تجلى هذا النفي في المبادئ الستة للثورة المصرية عند قيامها والتي لم يكن للدين فيها نصيب، وكانت هذه المبادئ تقول :

1 – القضاء على الاستعمار واعوانه من الخونة المصريين.
2 – القضاء على الاقطاع.
3 – القضاء على الاحتكار وسيطرة راس المال على الحكم.
4 – اقامة عدالة اجتماعية.
5 – اقامة جيش وطني.
6 – اقامة حياة ديمقراطية سليمة.
وما كان الدستور في العام 1956 قد نص على ان الاسلام هو الدين الرسمي للدولة الا انه لم يطبق بل اصبحت هذه العبارة تقليدا في كل الدساتير العربية ما عدا الدستور اللبناني وقد هوجمت هذه العبارة واعتبرها بعض الباحثين العرب المعاصرين تقييدا لحرية العقيدة وتقييدا لحرية التفكير وان الدولة (تخطئ مرتين اذا نصت في دستورها على ديانتها الرسمية. المرة الاولى في حق حرية الفكر وحرية العقيدة، والمرة الثانية في حق وجودها نفسه كإرادة واعية لروح كل فرد من افراد الشعب.
وكان نص العبارة (دين الدولة هو الاسلام) في الدستور المصري عام 1956 نصا تزويقيا من باب ذر الرماد في عيون الاخوان المسلمين وسد الطريق السياسي عليهم.

* مقتبس من كتاب الفكر العربي في القرن العشرين لمؤلفه د. شاكر النابلسي.

المشـاهدات 84   تاريخ الإضافـة 01/12/2019   رقم المحتوى 51821
أضف تقييـم
تابعنا على
تطبيقاتنا